مصطفى إبراهيم أمين زلمي أحد أبرز علماء ومفكري الإسلام الكرديين في العصر الحديث. وُلد في قرية زلمي التابعة لمحافظة خورمال في منطقة حلبجة بإقليم كردستان العراق. تشير السجلات الرسمية إلى أنه وُلد عام ١٩٢٤، بينما تذكر بعض الروايات المحلية أنه وُلد في عام ٢٠٠٨. نشأ في بيئة دينية محافظة، وكان لهذا المناخ أثر كبير على تكوينه العلمي في سن مبكرة، إذ أتيحت له فرصة دراسة الدين منذ نعومة أظفاره.
بدأ زلمي دراسته في صفوف العلوم الدينية في كردستان، حيث درس العلوم الدينية واللغوية الأساسية كالنحو والاستخدام وعلم النفس والمنطق، إلى جانب الفقه وأصوله، وتعمق في دراسة الفلسفة وبعض العلوم الفكرية. تتلمذ على يد عدد من كبار علماء الأكراد، منهم الملا عارف بر، والملا باقر بالك، والملا حما أمين، والملا عبد الكريم مدريس، وغيرهم. بعد سنوات من الدراسة، حصل على رخصته عام ١٩٤٦، وهي مؤهلات شائعة آنذاك تُخوّله التدريس وإصدار الفتاوى.
بعد حصوله على رخصته، بدأ زلمي التدريس في المساجد والمدارس الدينية، حيث قام بتدريس الشريعة واللغويات للطلاب، واستمر في هذا المجال حتى عام 1972. وخلال تلك الفترة، عمل كواعظ وخطيب في الجيش العراقي، مما أتاح له الفرصة للتواصل المباشر مع مختلف شرائح المجتمع.
لم يتوقف زلمي عن الدراسة في غرفته، بل اتجه إلى دراسات أكاديمية جديدة، وشارك في امتحانات خارجية، وأتمّ المرحلتين الابتدائية والثانوية، ثمّ أنهى بنجاح دراسته الثانوية في بغداد عام 1959. وفي عام 1960، التحق بكلية الحقوق في جامعة بغداد، وحصل عام 1965 على درجة البكالوريوس في القانون. ثمّ واصل تعليمه العالي، فحصل على درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية من جامعة بغداد عام 1969، ثمّ على درجة الماجستير في الفقه المقارن من جامعة الأزهر عام 1971، ودرجة ماجستير أخرى في القانون من جامعة القاهرة عام 1979.
في عام 1975، حصل على دكتوراه فخرية في الفقه المقارن من جامعة الأزهر، وهي إحدى أعلى الدرجات العلمية التي نالها في مجال تخصصه. وبعد سنوات طويلة من العمل الأكاديمي، حصل في عام 2005 على دكتوراه أخرى في القانون من جامعة بغداد بمرتبة الشرف، مما يدل على استمراره في البحث العلمي والتطوير الذاتي حتى آخر أيام حياته.
بدأ زالمي التدريس في الجامعة عام 1976 واستمر حتى عام 2008. تدرج في الدرجات العلمية حتى نال لقب أستاذ محترف. وخلال هذه الفترة، أشرف على أكثر من 100 رسالة ماجستير ودكتوراه في مجالات الشريعة والقانون والفلسفة، وساهم في تعليم جيل من الباحثين والعلماء.
لقد كتب أكثر من أربعين ورقة علمية حول مواضيع مختلفة في الفقه والمبادئ والقانون والفلسفة، بما في ذلك التطور الاجتماعي في الشريعة الإسلامية، ومبادئ الشرعية، ومبادئ المسؤولية الجنائية، ومبادئ إضفاء الطابع الشخصي على الجريمة، والطاقة الروحية والحضارة في الإسلام، والتشريع الإسلامي، وملاحظات حول قانون الأحوال الشخصية العراقي، ومعالجة علم الوراثة البشرية في الشريعة والقانون، والعلاقة بين الشريعة والقانون، والتصنيف الشرعي والقانوني للعمليات المختلفة.
إلى جانب هذه الأبحاث، ألّف زالمي عددًا كبيرًا من الكتب في مختلف المجالات، ونُشرت أعماله في مجموعة ضخمة بعنوان "الموسوعة الكاملة في الشريعة والقانون" عام ٢٠١٤، تضم خمسين كتابًا موزعة على أربعة وعشرين مجلدًا. وتغطي هذه المجموعة طيفًا واسعًا من المواضيع، كأصول الفقه، وأسباب اختلاف الفقهاء، والمراجع، ونظرية الامتثال، والمسؤولية الجنائية، وفلسفة القانون، والأحوال الشخصية، وقوانين الزواج والطلاق.
تميز الزلمي بتفكيره النقدي، إذ لم يكتفِ بأخذ آراء العلماء السابقين، بل ناقشها ونقدها ونقّحها وفق منهج علمي قائم على أدلة شرعية وعقلانية. ودعا إلى تجديد الفقه الإسلامي لمواكبة التطورات المعاصرة، مؤكداً على ضرورة أن يكون جديداً وحيوياً ومتجاوباً مع التحديات الاجتماعية والقانونية الراهنة.
كان معروفاً أيضاً بجرأته في التعبير عن آرائه، ومناقشته للقضايا الحساسة، وتقديمه اجتهاداً جديداً فيها، استناداً إلى فهم عميق لنصوص الشريعة ومقاصدها. وكان يؤمن بأن الاجتهاد ضروري لتجديد الفكر الديني، وأن التقليد الأعمى يؤدي إلى ركود الفكر وتخلف المجتمعات.
شارك زلمي في عدد من اللجان القانونية والدستورية، حيث ناقش مشاريع القوانين وراجع بعض القوانين، مثل قانون الأحوال الشخصية العراقي، وقانون الإجراءات الجنائية، والدستور العراقي. كما شارك في عدد من المؤتمرات العلمية داخل العراق وخارجه، بما في ذلك مؤتمر علماء الاجتماع، والمؤتمرات القانونية والطبية، ومؤتمرات حقوق الإنسان.
حصل زلمي على العديد من الجوائز والتكريمات تقديراً لعمله العلمي، بما في ذلك جائزة الأستاذ المتميز من جامعة بغداد عام 1985، وجائزة الأستاذ المتميز من الرئاسة عام 1993، وجائزة المنتج العلمي عام 1993، وجائزة جامعة النهرين. كما حصل على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة صلاح الدين في أربيل عام 2015 تقديراً لجهوده العلمية.
على الصعيد الشخصي، عُرف زالمي بتواضعه وبساطته، وقربه من طلابه وعامة الناس، وتميز بحبه للعلم وحرصه على نشر المعرفة. كما كان يتمتع بآراء مستقلة، إذ لم يكن ينتمي إلى أي حزب سياسي أو ديني، ولكنه ظل متمسكًا بآرائه ومواقفه حتى في مواجهة الانتقادات.
اشتهرت شخصيته بالتزامه العلمي ودقته في البحث، واعتماده على البحث العلمي والتحقق من المصادر، وحرصه على تقديم بحوث شاملة ومتعمقة قائمة على الأدلة. جمع في شخصيته بين الأصالة الدينية والانفتاح على الأفكار الجديدة، مما جعله مثالاً فريداً للفكر الإسلامي الكردي المعاصر.
توفي مصطفى إبراهيم أمين زالمي يوم السبت الموافق 4 يونيو 2016 في أربيل، عن عمر يناهز الواحد والتسعين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً علمياً وفكرياً عظيماً يتألف من كتابات وأبحاث وآراء لا تزال تشكل مادة غنية للدراسة والبحث.
اتسمت شخصية مصطفى زلمي بعدد من الخصائص الفكرية والعلمية التي ميزته عن غيره من العلماء، وعلى رأسها وعيه النقدي، إذ جمع بين عمق البنية الثقافية والانفتاح على البحوث الجديدة. وقد مكّنه هذا الوعي من الحضور في المجال العلمي والمشاركة في النقاشات الفكرية والفقهية، داخل الجامعات وخارجها.
كما امتلك رؤية عقلانية واضحة، تجلّت في دعوته لإصلاح الخطاب الديني وإلغاء التأويلات المتداولة التي لا تستند إلى أدلة سليمة أو منطق سليم. ولذا، برزت دعوته الدائمة للاجتهاد ورفضه للجمود الفكري، إذ إن الفقه البشري يحتاج إلى مراجعة مستمرة.
ومن أبرز سماته الأخرى دعوته للاعتدال، إذ عمل على ترسيخ قيم التعايش والتسامح بين مختلف فئات المجتمع، مؤكداً أن الإسلام يدعو إلى الرحمة والعدل، ويحمي حقوق الإنسان بغض النظر عن الهوية. وكانت أيضاً من المدافعات عن حقوق المرأة، لا سيما في بعض المسائل الفقهية التي تناولتها بمنظور جديد.
يُعتبر الابتكار أحد أهم جوانب شخصيته، إذ سعى إلى تحرير الفقه من الجمود الديني الكلاسيكي والمنغلق، مستندًا إلى أصول الشريعة ومقاصدها السامية. وقد راجع العديد من الآراء الفقهية، وقدّم اجتهادًا جديدًا يُلائم الظروف المعاصرة، وسعى إلى تطوير علم أصول الفقه بأساليب وترتيبات جديدة.
كان معروفًا أيضًا بالتزامه العلمي الكبير، إذ اعتمد على فحص دقيق للأدلة، وحرص على التحقق من مصادره، وقدم أبحاثًا تستند إلى أسس علمية متينة. كما عُرف بدقة توثيقه واهتمامه بالتفاصيل، مما جعل أعماله ذات قيمة علمية عظيمة.
من أبرز سمات شخصيته استقلاليته الفكرية والفكرية، إذ لم يكن يتبع أي حزب سياسي أو ديني، بل تمسك بآرائه الخاصة، حتى وإن كانت مخالفة للرأي السائد. وكان معروفاً بموقفه الحازم في القضايا العلمية، وتمسكه بما يراه صواباً.
كما عُرف أيضاً بعرضه الجريء للآراء، حيث ناقش قضايا حساسة وقدم اجتهاداً جريئاً، مثل بعض آرائه حول قضايا الفقه المعاصر.
فيما يتعلق بالهوية، كان زلمي مثالاً بارزاً على اندماج الهوية الكردية والإسلامية، إذ جمع بين القومية الكردية والإسلاموية، ساعياً إلى إيجاد توازن واعتدال بينهما. وبهذه الرؤية، أسهم في إثراء الفكر الإسلامي، مع الحفاظ على خصوصية قضيته الوطنية، وطالب بالحقوق الثقافية والدينية في إطار العدالة والإنسانية.
شكلت هذه الخصائص مجتمعة شخصية علمية وفكرية فريدة، مما جعل مصطفى زلمي أحد أبرز رموز الفكر الإسلامي الكردي المعاصر.







اترك تعليقًا