يؤدي القطاع العام دورًا محوريًا في حياة الناس اليومية، إذ يوفر الخدمات الأساسية، وينفذ قرارات الحكومة، ويؤثر بشكل مباشر على جودة حياة المواطنين. ولذلك، فإن تحسين جودة القطاع العام ليس مجرد مسألة إدارية، بل هو ضرورة اجتماعية وتنموية. في ظل بيئة اليوم المتغيرة، لا يمكن للقطاع العام الاعتماد على الإجراءات الروتينية والأساليب التقليدية فحسب، بل يحتاج إلى موظفين قادرين على التفكير الإبداعي، واقتراح أفكار جديدة، والمشاركة الفعّالة في تقديم خدمات أفضل.
عامل مهم في هذه العملية الاستقلالية مهنة يشير الاستقلال الوظيفي إلى مستوى الحرية التي يتمتع بها الموظفون في اتخاذ القرارات المتعلقة بعملهم، واختيار كيفية إنجاز مهامهم، وحل المشكلات بطريقتهم الخاصة. عندما يُمنح الموظفون الثقة وبعض المرونة، قد يشعرون بمزيد من المسؤولية والتحفيز والثقة في عملهم. في القطاع العام، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية، إذ إن الإجراءات الجامدة والقرارات المركزية قد تحدّ أحيانًا من قدرة الموظفين على الاستجابة بسرعة وإبداع.
مفهوم آخر مهم هو سلوك العمل الإبداعي في الإدارة التنظيمية، يتجاوز الأمر مجرد امتلاك الأفكار، ليشمل تحديد المشكلات، واقتراح حلول جديدة، ودعم التغييرات الإيجابية، والمساعدة في تطبيق هذه الأفكار في بيئة العمل. وفي القطاع العام، يُمكن للسلوك الابتكاري أن يُسهم في تحسين جودة الخدمات، والحد من التأخيرات غير المبررة، كما ينبغي أن تكون المكاتب الحكومية أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين.
إضافةً إلى ذلك، لا يتحقق الابتكار بمجرد تمتع الموظفين بالحرية، بل إن بيئة العمل لها دورٌ هامٌ أيضاً. ولهذا السبب الأجواء الإبداعية يُعدّ هذا متغيرًا هامًا في دراستنا. فالمناخ الابتكاري يعني أن المؤسسة تدعم الأفكار الجديدة، وتشجع الموظفين على تبادل الاقتراحات، وتوفر الموارد، وتُهيئ بيئة مريحة لاختبار أساليب عمل أفضل. عندما يشعر الموظفون بأن مديريهم وزملاءهم يرحبون بالأفكار الجديدة، يصبحون أكثر ميلًا لتحويل حريتهم إلى سلوك إبداعي حقيقي.
كما تسلط الدراسة الضوء على التعلق العاطفي يشير هذا إلى ارتباط الموظفين العاطفي بمؤسساتهم. يشعر الموظفون ذوو الارتباط العاطفي القوي بأنهم جزء من المنظمة ويهتمون بنجاحها. يمكن لهذا الارتباط أن يحفز الموظفين على بذل المزيد من الجهد والمساهمة بما يتجاوز واجباتهم الرسمية. مع ذلك، قد لا يكون الارتباط وحده كافيًا لخلق الابتكار، خاصةً إذا لم تكن بيئة العمل داعمة للتغيير.
استنادًا إلى هذه الأفكار، اختبرت دراستنا العلاقة بين الاستقلالية المهنية و سلوك العمل الإبداعي في القطاع العام بإقليم كردستان العراق. كما بحثت الدراسة ما إذا كان الأجواء الإبداعية و التعلق العاطفي تساعد هذه الدراسة في توضيح هذه العلاقة. جُمعت البيانات من 207 موظفين في القطاع العام يعملون في مكاتب حكومية مختلفة، بما في ذلك مكاتب شؤون الجوازات، ومراكز الشرطة، والبنوك العامة، ومكاتب التعليم في السليمانية وحلبجة. نُشرت الدراسة في المجلة الدولية للإدارة العامة تحت عنوان "العلاقة بين الاستقلالية المهنية وسلوكيات العمل الابتكارية في القطاع العام".
تُظهر النتائج أن الاستقلالية المهنية تُؤثر إيجابًا على كلٍ من المناخ الإبداعي والارتباط العاطفي. وهذا يعني أنه عندما يشعر الموظفون بمزيد من الحرية في عملهم، يزداد احتمال تصورهم لبيئة عملهم على أنها داعمة للابتكار، ويشعرون بارتباط عاطفي أقوى بمؤسساتهم. مع ذلك، وجدت الدراسة أن الاستقلالية وحدها لا تُؤدي بالضرورة إلى سلوك إبداعي في العمل.
تُعدّ هذه النتيجة مهمة للقطاع العام في كردستان. ففي كثير من مؤسسات القطاع العام، قد يتمتع الموظفون ببعض المسؤولية أو الحرية، لكنهم ما زالوا يترددون في طرح أفكار جديدة بسبب البيروقراطية، والتسلسل الهرمي الإداري، والخوف من ارتكاب الأخطاء، أو نقص الدعم من المديرين. لذا، ينبغي دعم الاستقلالية من خلال بيئة تنظيمية تشجع الابتكار. بعبارة أخرى، منح الموظفين الحرية أمرٌ مفيد، لكنه يجب أن يكون مصحوبًا بالثقة والدعم والتواصل المفتوح والتشجيع من المديرين.
تُظهر الدراسة أيضًا أن المناخ الابتكاري يلعب دورًا محوريًا في تحويل الاستقلالية إلى سلوك ابتكاري. فعندما يشعر موظفو القطاع العام بأن أفكارهم تُؤخذ بعين الاعتبار وأن بيئة عملهم تدعم الابتكار، يزداد احتمال استخدامهم لاستقلاليتهم لتحسين إجراءات العمل والخدمات. كما يُسهم الارتباط العاطفي في تفسير هذه العلاقة، إلا أن النتائج تُشير إلى أن الارتباط العاطفي وحده لا يكفي إذا لم تُشجع بيئة العمل الإبداع.
تُقدّم هذه الدراسة رسالة عملية واضحة: لا يقتصر دور مديري القطاع العام على تكليف الموظفين بالمهام والمسؤوليات فحسب، بل يتعداه إلى تهيئة بيئة داعمة ترحّب بالأفكار الجديدة. ويمكن للمديرين تشجيع الإبداع من خلال الاستماع إلى الموظفين، ودعم العمل الجماعي، وتقديم اقتراحات مبتكرة، والحدّ من الخوف من الفشل، وتوفير الموارد اللازمة لتحسين الأداء.
باختصار، تشير أبحاثنا إلى أن الابتكار في القطاع العام يتطلب أكثر من مجرد جهد فردي، فهو يتطلب بيئة عمل تُتيح للموظفين التفكير والتعبير والعمل بإبداع. وبالنسبة لإقليم كردستان، فإن تعزيز هذه البيئة من شأنه أن يُساعد القطاع العام على أن يصبح أكثر مرونة وسهولة وفعالية في خدمة المواطنين.
يلاحظ:حظيت هذه الدراسة بدعم كريم من الدكتور الرفيق أبو بكر، محافظ السليمانية، ونحن ممتنون له جزيل الشكر. يمكنكم الاطلاع على النسخة الكاملة للدراسة عبر الرابط أدناه. وقد تم تقديم هذا الموجز هنا بمساعدة أداة ذكاء اصطناعي. (الذكاء الاصطناعي) تم إعداده.
https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/01900692.2025.2607443







اترك تعليقًا