في العالم المعاصر، باتت إدارة الثروة أهم من مقدار الدخل الذي يحصل عليه الفرد، ولذا أصبح الوعي المالي مهارة ضرورية لتجنب الوقوع في براثن الفقر، وإحدى أهم مهارات الحياة. وتؤكد الأبحاث العلمية وجود علاقة مباشرة بين الوعي المالي والفقر. ويعني الوعي المالي القدرة على فهم المعلومات المالية وتقييمها واستخدامها لاتخاذ قرارات سليمة بشأن الدخل والنفقات والمدخرات والديون وهوامش الربح ومخاطر الاستثمار.
إن الوعي المالي ليس مجرد معلومات؛ فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تعرف الوعي المالي بأنه مزيج من المعرفة والمهارات والمواقف والسلوكيات التي تساعد الأفراد على اتخاذ قرارات مالية واعية وتطوير وتنفيذ خطة أكثر صلابة للمستقبل المالي للطاقة الشمسية.
يُعدّ هذا التعريف والفهم مهمين لأنه يُبيّن أن المشاكل المالية للأفراد والأسر لا تقتصر في كثير من الأحيان على نقص الدخل فحسب، بل تشمل أيضاً "نقص المعرفة والمهارات والتخطيط" الذي يُقرّبهم من خط الفقر. ومن منظور أكاديمي، تُشير الأبحاث إلى أن الوعي المالي يُعدّ نوعاً من رأس المال البشري لأي بلد، فهو يُساهم في رفع مستوى الوعي المالي لدى أفراد المجتمع، وتحسين مستوى معيشتهم، وتقليل اعتمادهم على الحكومة، وتمكينهم من إدارة دخلهم بكفاءة.
سيحفز هذا الأفراد الواعين مالياً على الحد من الأخطاء المالية، وفهم معدل الربح والمخاطرة، واختيار أنسب أنواع الاستثمار لمختلف مراحل الحياة، مما يؤثر إيجاباً بشكل مباشر على رفاهية الأفراد والأسر. وتؤكد هذه الدراسة العلمية ذلك (لوساردي، ميتشل، 2014).
أظهر تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية/الشبكة الدولية للوعي المالي لعام 2023 أن الأشخاص ذوي الوعي المالي الجيد يتمتعون في المتوسط بوضع مالي أفضل بنسبة 10% وقدرة أكبر على مواجهة الأزمات المالية بنسبة 15% مقارنةً بمن لديهم مستويات أقل من الوعي المالي. وهذا يعني أن الوعي المالي يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار المالي، والضغوط المالية، والقدرة على التكيف مع الفقر والأزمات.
في العراق والدول ذات الأنظمة المالية الأقل تطوراً، تكتسب التوعية المالية أهمية بالغة، ولذا حددت الخطة الاستراتيجية المالية الشاملة 2025-2029، الصادرة عن مصرف العراق المركزي، "حماية المستهلك والتوعية المالية" كأحد المحاور الرئيسية لتطوير النظام المالي. وتشير الوثيقة نفسها إلى أن العراق بحاجة إلى خدمات مالية ملائمة ومنخفضة التكلفة ومتوافقة مع القيم الدينية والثقافية للعراقيين.
للمواطنين العراقيين وجميع الذين يعيشون في بلد لم يتم فيه تطوير النظام المالي والقضائي بشكل صحيح، ولا تتحمل فيه الدولة المسؤولية المالية المناسبة عن حاضر ومستقبل المواطنين، وذلك لأغراض التقاعد والطوارئ والأسرة والصحة والتعليم.
بالطبع، تبدأ الخطوة الأولى لتحقيق هذه المسؤولية بالوعي المالي. ويبدأ الوعي المالي بثلاث خطوات أساسية وفعّالة:
أولاً، وضع خطة مالية تناسب حياة الشخص.
ثانياً، فهم علمي لمخاطر وعوائد الاستثمار.
ثالثًا، قم بتنفيذ الخطة المالية التي وضعتها لحياتك (في النقطة الأولى). معظم الأفراد والعائلات يفشلون في تنفيذ الخطة المالية ويكونون عرضة لخطر الفقر.
خطوات عملية:
من المهم لكل فرد وعائلة أن يسألوا أنفسهم: "ما هو خطر الفقر والأزمة المالية بالنسبة لي ولعائلتي إذا فقدت وظيفتي أو أصبت بمرض مزمن؟"“
الجواب واضح: الخطوة الأولى للخروج من الفقر هي الوعي المالي، ويجب أن تكون نتيجة الوعي المالي خطوة عملية، وهي الاستثمار.







اترك تعليقًا